النووي
12
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )
نَقَلَ وَجْهًا أَنَّ الْحَلِفَ بِأَيِّ اسْمٍ كَانَ مِنَ الْأَسْمَاءِ التِّسْعَةِ وَالتِسْعِينَ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ صَرِيحٌ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ بَعْضِهَا وَبَعْضٍ ، وَهَذَا غَرِيبٌ ، وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ : فَالْحَلِفُ بِالصِّفَاتِ . فَمُتَكَلِّمٌ فِي صُوَرٍ : مِنْهَا : إِذَا قَالَ : وَحَقِّ اللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا ، فَإِنْ نَوَى بِهِ الْيَمِينَ ، فَيَمِينٌ ، وَإِنْ نَوَى غَيْرَهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ وَغَيْرَهَا ، فَلَيْسَ بِيَمِينٍ ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَوَجْهَانِ ، أَحَدُهُمَا : لَيْسَ بِيَمِينٍ ، حُكِيَ عَنِ الْمُزَنِيِّ وَأَبِي إِسْحَاقَ ، وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ ، وَالصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ يَمِينٌ ، لِأَنَّهُ غَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْيَمِينِ ، فَتَصِيرُ هَذِهِ الْقَرِينَةُ صَارِفَةً لِلَّفْظِ إِلَى مَعْنَى اسْتِحْقَاقِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْعَظَمَةِ وَقَالَ الْمُتَوَلِّي : وَلَوْ قَالَ وَحَقُّ اللَّهِ بِالرَّفْعِ وَنَوَى الْيَمِينَ فَيَمِينٌ ، وَإِنْ أَطْلَقَ ، فَلَا ، وَإِنْ قَالَهُ بِالنَّصْبِ وَأَطْلَقَ فَوَجْهَانِ : وَالَّذِي أَجَابَ بِهِ الْبَغَوِيُّ الْمَنْعُ فِي النَّصْبِ أَيْضًا . وَمِنْهَا : قَوْلُهُ وَحُرْمَةِ اللَّهِ ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ وَحَقِّ اللَّهِ ، وَقِيلَ هُوَ كَقَوْلِهِ وَعَظَمَةِ اللَّهِ ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَمِنْهَا : قَوْلُهُ وَقُدْرَةِ اللَّهِ ، وَعِلْمِ اللَّهِ ، وَمَشِيئَةِ اللَّهِ ، وَسَمْعِ اللَّهِ ، وَبَصَرِ اللَّهِ فَهَذِهِ صِفَاتٌ قَدِيمَةٌ ، فَإِنْ نَوَى بِهَا الْيَمِينَ ، أَوْ أَطْلَقَ انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ . وَإِنْ أَرَادَ بِالْعِلْمِ الْمَعْلُومَ ، وَبِالْقُدْرَةِ الْمَقْدُورَ قُبِلَ قَوْلُهُ ، وَلَمْ يَكُنْ يَمِينًا ، لِأَنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لَهُ ، وَلِهَذَا يُقَالُ فِي الدُّعَاءِ : اغْفِرْ عِلْمَكَ فِينَا ، أَيْ مَعْلُومَكَ ، وَيُقَالُ : انْظُرْ إِلَى قُدْرَةِ اللَّهِ أَيْ مَقْدُورِهِ ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ : وَمَعْلُومِ اللَّهِ ، وَمَقْدُورِهِ ، وَخَلْقِ اللَّهِ ، وَذَلِكَ لَيْسَ بِيَمِينٍ ، وَبِمِثْلِهِ أَجَابَ الْإِمَامُ فِي : إِحْيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَإِنْ قَالَ : وَعَظَمَةِ اللَّهِ وَكِبْرِيَاءِ اللَّهِ وَعِزَّتِهِ وَجَلَالِهِ وَبَقَائِهِ ، فَالْحُكْمُ كَمَا فِي الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الصِّفَاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ الزَّائِدَةِ عَلَى الذَّاتِ وَغَيْرِهَا ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ ، وَحَكَى الْإِمَامُ وَجْهَانِ : أَنَّ الْحَلِفَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ كَالْحَلِفِ بِاللَّهِ . حَتَّى لَوْ قَالَ أَرَدْتُ غَيْرَ الْيَمِينِ ، لَا يُقْبَلُ ظَاهِرًا وَوَجْهًا أَنَّهُ إِنْ أَرَادَ